الجبهة الثورية.. أسرار الدعم والتشوين!!
تعتمد الجبهة الثورية في دعم العمليات التي تشنها من حين لآخر ضد الخرطوم على الدعم الاقليمي الذي يضم جوبا وكمبالا وكينيا، والدعم الدولي في كل من امريكا وفرنسا واسرائيل، بهدف توحيد الجهود الغربية ضد النظام الحالي في السودان، وتطلق امريكا مسمى دعم توفير الأجواء وبعض آليات الامم المتحدة بخلاف المسميات المعهودة، حيث كانت محطة الانطلاق. وتشكل حلف «الجبهة الثورية» في نوفمبر من عام 2011م بتحالف بين الحركة الشعبية قطاع الشمال والحركات الدارفورية وأهمها حركة العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم، وحركتا تحرير السودان بقيادتي عبد الواحد محمد نور ومني أركو مناوي بهدف إسقاط نظام الخرطوم، حيث كانت حركات دارفور اكثر استفادة من ذلك الحلف في انه يحميها من بعض الهجمات من قبل القوات الحكومية، فيما يستفيد قطاع الشمال من توسيع دائرة اجراءات التفاوض مع الجانب الحكومي، وهناك الافلاس الذي طرأ علي حركات دارفور خاصة حركة مناوي، مما قادها الى المشاركة في المعارك الليبية «قوات حفتر» بجانب الهزائم المتكررة التي تلقتها حركة العدل والمساواة في معركة قوز دنقو بدارفور. مسار السلام وجدت حركات دارفور دعماً من قبل تشاد قبيل تحسين العلاقات بينها وبين السودان، والآن تشاد وضعت نفسها في مسار السلام اعلامياً، وأصبحت من الداعمين له، اما ليبيا فهي داعم اساسي للحركات، فهي اول من دعم تمرد قرنق عام 1983م، والآن هذه الحركات تحاول ان تستعيض دعم الرئيس القذافي السابق بدعم حفتر، فالمكونات الثلاثة حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل ابراهيم وحركة تحرير السودان بقيادة مني اركو مناوي وحركة عبد الواحد محمد نور، هذه المكونات لم يعد لها تأثير ميداني، فهي لم تعد تمثل التأثير الميداني للجبهة الثورية. ويقول محللون سياسيون ان حكومة دولة جنوب السودان خسرت استراتيجياً صراعها «غير المعلن» مع السودان، فقد نجحت الحكومة السودانية في القضاء على الأنشطة المسلحة للحركات الدارفورية، وفي الطريق القضاء على الحركة الشعبية قطاع الشمال. ان القضاء على الحركات الدارفورية المسلحة وإزالتها نهائياً من ميادين القتال، هو المقدمة المنطقية للقضاء على الحركة العشبية قطاع الشمال، وخسارة حكومة جنوب السودان حينما راهنت على هذه الحركات تبدو الآن واضحة للغاية، فلم تعد جوبا الآن تعبث بأمن السودان فقد نفد معينها، ولم يعد في مقدورها مهما فعلت إعادة ما دمرته الحرب على أيدي الحركات المسلحة، فالكلفة عالية للغاية، والحركات المسلحة هي نفسها فقدت شجاعة معاودة مواجهة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وبحسب محللين فإن جوبا مقبلة على عملية سلمية داخلية لا مفر منها، ولا شك ان واحدة من أبرز وأهم مقتضيات العملية السلمية بين الفرقاء الجنوبيين هي التخلص من العبء الجسيم الذي تمثله الحركات المسلحة، خاصة تلك التى كانت جزءاً من الصراع وخاضت القتال ضد فريق من الطرفين، ولعل ابرز دليل على ذلك أن أنباء بدأت تتواتر من جوبا بأن حظراً بدأ يفرض، وقيوداً بدأت توضع على تحركات هذه الحركات في جوبا، وهذا يعني بدوره أن كل الدعم الذي ظلت تقدمه جوبا للحركات المسلحة والهدف الغامض الذي ظلت تسعى اليه قد تبخر تماماً في الهواء. ومن أهم عناصر إتمام العملية السلمية في دولة الجنوب التي يقف وراءها وبشدة المجتمع الدولي والامم المتحدة، ان تكف جوبا عن إلحاق الإضرار بدول الجوار، وأن يتجه الفرقاء الجنوبيون نحو اصلاح بلادهم، وهو ما يجبر الدولة الوليدة على الاهتمام بحل قضاياها العالقة مع السودان دون مماحكة ومطاولات، فاتفاقية التعاون المشترك الموقعة بين الدولتين في سبتمبر 2013م وبحكم واقع العملية السلمية في جوبا باتت عنصراً مهماً للغاية لإرساء استقرار الدولة الوليدة، وواقع الحال أن جوبا لم تنتفع من دعمها للعمل المسلح ضد السودان، فلا هي نجحت في تغيير الأوضاع في السودان، ولا هي نجحت في القضاء على خصومها السياسيين. وكل الذي حدث أنها أغضبت حلفاءها الدوليين وخسرت الحرب بكامل مؤشر عداوة على مدار ثلاثة عقود. وكان الجنوب ومازال مؤشراً للعداوة أو محاولات تسويتها بين الخرطوم وكمبالا، وبالطبع كانت علاقة الجارتين السابقتين مؤشراً لما يعانيه أو ينعم به الجنوب الذي يهتم اليوم أكثر من غيره بزيارة الرئيس البشير الاستثنائية إلى يوغندا كما فعل عندما زار الرئيس موسفيني بشكل استثنائي أيضا الخرطوم في سبتمبر الماضي. وكانت الخرطوم تتهم كمبالا بدعم الحركة الشعبية إبان الحرب الأهلية في الجنوب، وبعد انفصاله درجت على اتهامها بأن لها أطماعاً توسعية في الدولة الوليدة وتريد أن تنسف علاقتها مع الدولة الأم حتى تتمدد بديلة لها في سوقها البكر، وتمتد اتهامات الخرطوم لتشمل دعم كمبالا وجوبا معاً للجبهة الثورية، فإن موسفيني لم يأل جهداً لتأليب المجتمع الدولي على السودان بحجة دعمه لجيش الرب الذي تصنفه واشنطن كمنظمة إرهابية. وبدورها لم تدخر الخرطوم جهداً لمحاصرة موسفيني إقليمياً بحجة دعمه للمتمردين عليها، ففي فبراير 2013م نجحت في إقناع منظمة دول التعاون الإسلامي بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول اتهاماتها ليوغندا الدولة العضو في المنظمة، لكن النتيجة لم تكن بأفضل حالا مما آلت إليه شكوى مشابهة إلى منظمة البحيرات العظمى خلال قمتها في أغسطس من ذات العام، حيث لم تنته كلتا الشكوتين إلى ما ترومه الخرطوم من إدانة صريحة ليوغندا، رغم تصنيف منظمة البحيرات لحركات دارفور في قمتها السابقة بأنها حركات سالبة. دعم عسكري وزادت حدة التوتر أو قل التنافس بين البلدين باندلاع النزاع المسلح بين سلفا كير ميارديت ورياك مشار في ديسمبر 2013م، حيث حظي الأول بشكل فوري بدعم عسكري كبير من موسفيني الذي أرسل قوات من جيشه لمساندته مدعومة بطائرات من سلاح الجو اليوغندي. وبالنسبة لموسفيني فإن مشار لم يكن سوى حليف لخصميه «الخرطوم وجيش الرب معاً» ويهدد مصالحه في حال وصوله للسلطة، وبالمقابل لم تخف الخرطوم التي تنشط ضمن فريق «إيقاد» لتسوية النزاع الجنوبي، امتعاضها من التدخل العسكري اليوغندي في الجنوب بوصفه يقوض مساعي السلام. ورغم سعي سلفا كير لتحسين علاقته مع الخرطوم عقب اندلاع النزاع بتأكيد التزامه بتنفيذ الاتفاقيات المبرمة بينهما وأهمها الاتفاق الأمني الذي يمنع أياً منهما من دعم المتمردين على الآخر بسبب مخاوفه من دعم السودان لحليفها القديم مشار، إلا أن ذلك لم ينسحب على تحسن موازٍ في العلاقة مع كمبالا التي تعتبر وفقاً للرواية الرسمية حاضنة للحركات المسلحة، وربما بإيعاز من جوبا نفسها لتفادي الحرج مع جارتها الشمالية. وتجلى الخصام بين السودان ويوغندا عندما استدعت الخارجية القائم بالأعمال اليوغندي في نوفمبر 2014م احتجاجاً على اتهام موسفيني للخرطوم خلال لقائه مسؤولين من جنوب السودان بأنها تحتفل بالقتال الدائر في جنوب السودان وترغب في نهب ثروته. ويتكون اللوبي الأمريكي الداعم لتحالف كاودا أو الحركة الشعبية لقطاع الشمال الذي تترأسه الناشطة الامريكية استير مارى سبراغ من ولاية كلفورنيا، من الممثل الأمريكي جورج كلوني والناشط مدير منظمة كفاية برنادر غاست، بالاضافة الى مارثا بونشكات الرئيس المناوب لشبكة دارفور الدينية الأمريكية. وهو ذات اللوبي الذي ادار حملة أمريكا ضد السودان إبان قضية دارفور، هذا بالاضافة إلى ان تلك المجموعات المتنوعة مارست ضغوطاً على الحكومة السودانية عبر الكونغرس والبيت الابيض، مع اقتراب الانتخابات الامريكية لتغيير موقف الخرطوم. ولعل اتفاق الحريات الاربع هو واحد من التنازلات التى قدمتها الحكومة من أجل ايقاف تلك الضغوط الممارسة عليها دولياً. تأييد مبادرات هناك انتقادات وجهتها الحكومة للحكومة الفرنسية بسبب استضافتها ومشاركتها في اجتماعات للمعارضة بباريس، ووصف وزير الخارجية أ. د ابراهيم غندور استضافتها لمثل هذه الاجتماعات بالمتكررة، وكل مرة يقولون إنهم يعملون من أجل أن تكون هذه الحركات جزءاً من السلام، وبصدد ذلك استدعت السفير الفرنسي بالخرطوم برونو لوبير، وأبلغته بأن استضافة باريس لاجتماعات الجبهة الثورية والحركات المسلحة المتمردة تعتبر عملاً عدائياً ضد السودان وتحريضاً على استمرار الحرب وتقويض النظام الدستوري وتقديم دعم مباشر للحركات المسلحة المتمردة. وقال ان مشاركة الحكومة الفرنسية وبمستوى رسمي «مسؤول الشؤون الإفريقية في الخارجية الفرنسية»، تعني ضمناً تأييداً لمثل هذه المبادرات، وخطوة الاستدعاء هي محاولة للفت نظر انتباه المجتمع الدولي. دعم مرهون ودائماً ما تطالب الحكومة دولة الجنوب بالكف عن دعم وايواء الجبهة الثورية، لكن لن تستجيب جوبا لذلك، اذ ان انقطاع الدعم يظل مرهوناً بالفرقتين التاسعة والعاشرة بجنوب كردفان والنيل الازرق، وتتبع قيادتهما الى دولة الجنوب وقوامهما جنود سودانيون، وبالتالي يكون جيش دولة الجنوب متمدداً في السودان من خلال الفرقتين، وفي نفس الوقت تكون جوبا داعماً لتلك القوات التابعة لها وتنفذ تعليماتها، هذا من الجانب الاقليمي، وفي المقابل خلقت بعض الجهات الدولية تحالف الجبهة الثورية من منطلق تكتيكي بغرض تفكيك نظام الحكم في السودان، وتم تقديم الدعم المادي والإعلامي للتحالف، لكن مما يبدو أن الجبهة الثورية تفككت قبل أن تحقق أهدافها، خاصة بعد أن اتجهت حركات دارفور للعمل كمرتزقة في القتال في ليبيا جلباً للدعم المادي، بينما لم تراوح الحركة الشعبية قطاع الشمال مكانها ميدانياً بعد أن سيطرت القوات المسلحة على الأوضاع في الأرض في جنوب كردفان، وأصبح جل ما تستطيع تقديمه إصدار البيانات والدعوة للتوحد بين مكونات التحالف. وتمضي مجموعات الضغط في الكونغرس الامريكي المكونة من «120» عضواً من بين الـ «500» عضو، حيث طالبت الرئيس اوباما الاسبوع الماضي بالضغط على السودان لأنه يعيق وصول المسارات الإنسانية الى منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، اذ ان هذه المجموعة ذات علاقات سيئة مع السودان، فهي مكونة من لوبي يميني متطرف استفاد من العلاقة المتوترة مع السودان، غير أن السودان بالمقابل يقول إنه يرفض تمرير المسارات اتجاه دولة الجنوب خوفاً من أن تكون تلك المسارات خط إمداد لها.
أم سلمة العشا

تعليقات
إرسال تعليق